موقع الكتروني خدمي اقتصادي سياحي اجتماعي

الرقابة التموينية.. مُغيبة وليست غائبة!!

بانوراما طرطوس- عبد العزيز محسن:

تحدثت المعلومات مؤخراً عن صدور عقوبة بحق أحد المدراء “الكبار” في مديرية التجارة الداخلية بطرطوس تقضي بنقله إلى جهة أخرى خارج المديرية لأنه أوعز لعناصر الرقابة التموينية بتسجيل ضبط تمويني بحق احد محلات الحلويات حيث استخدم صاحب المحل المذكور نفوذه وعلاقاته من أجل هذه العقوبة…

هذه الحادثة -وهناك الكثير على شاكلتها- تمثل أنموذجاً حول حجم التدخلات في عمل الرقابة التموينية من أدنى المستويات إلى أعلاها.. وهذه التدخلات ليست بالقليلة ولا يستهان فيها وبدورها في تخريب البنية العامة لنظام الرقابة التموينية الذي يعاني أصلاً من قصور وترهلات ومن ضعف في القوانين والتشريعات الناظمة لعمله.. وهناك الكثير من القصص والروايات المضحكة عن حالات تدخل لمسؤولين من مستويات “رفيعة” لشطب ضبط لأحد المخالفين والذي لا تتجاوز قيمته المادية 25 ألف ليرة.. كما قد تتفاجئ بتدخل “أحد المسؤولين الكبار” لطي عقوبة ومخالفة تتعلق بمخالفات غش وتدليس والتي قد تتسبب في أذى كبير على صحة المواطن أو “جيبته”..

أتحدث هنا عن الجانب الآخر من عمل الرقابة التموينية ولا أدافع بطبيعة الحال عن الرقابة بحد ذاتها أو عن سلوك بعض أفرادها، وهناك الكثير من الكلام الذي يمكن أن نقوله عن هذا الموضوع.. ولكن عندما نتحدث عن النتائج فقط ونهمل الأسباب والمسببات والظروف المحيطة نكون قد جانبنا الحقيقة والمنطق العام للقضية.. فمن المعروف أن الرقابة التموينية على الأسواق هي رقابة غائبة فعلاً وتأثيراتها الإيجابية تجاه المستهلك شبه معدومة.. ولكن ربما يخفى على الكثيرين أن هذه الرقابة هي مغيبة قصداً وأن هناك عملية تفشيل أو عرقلة لهذه الرقابة بصورة متعمدة.. فرغم صدور مئات التعليمات والتعاميم الوزارية بالطلب من مديريات التموين بتشديد الرقابة والمحاسبة واستخدام سلطة القانون إلا أن ذلك لم ينفع ولن ينفع طالما بقيت الاستثناءات والإملاءات والمحسوبيات ومن بينها طبعا مراعاة مصالح كبار التجار والمتنفذين والمستفيدين والتي هي اليوم للأسف أعلى من أي قرار وتمحو “عملياً” أي قانون أو تشريع ..

وإضافة لما سبق، لابد من إعادة النظر في البنية العامة للتشريعات التموينية ومن ضمن ذلك قانون التموين نفسه لجهة تعديله برفع قيمة العقوبات والغرامات وكذلك إدخال نصوص جديدة رادعة لمن يتدخل في عمل الرقابة من داخل المديرية ومن خارجها والذي يصل به الأمر إلى فرض عقوبات ومحو ضبوطات بدون وجه حق… كما لا بد من زيادة عدد المراقبين ليتناسب مع حجم الأسواق وتأهيلهم وتدريبهم وتحفيزهم بالتوازي مع تشديد المحاسبة لمن تثبت الأدلة تواطئه او ابتزازه ..

 هذه باختصار هي أولى الخطوات في الطريق نحو إعادة التوازن إلى هذا القطاع والذي يؤدي إلى استقرار حركة الأسواق بشكل عام، والتي لن تكتمل -باعتقادي- في شكلها النهائي حتى تتحسن الحالة الاقتصادية في البلد والوضع المعيشي للمواطن وحينها يمكن أن نعود تلقائياً إلى سياسة العرض والطلب التي كانت سائدة قبل الأزمة حيث كان هناك توازناً في الأسعار مع ثبات في صرف العملة الوطنية.. وحين الوصول إلى هذه الحالة “النموذجية” لن يبقى مهمة أمام الرقابة التموينية سوى الرقابة على موضوع الجودة وتطبيق المواصفات ومدى توفر الشروط الصحية وما إلى ذلك..

قد يعجبك ايضا

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.