موقع الكتروني خدمي اقتصادي سياحي اجتماعي

زراعة الحمضيات تصارع الموت!

بانوراما طرطوس- عبد العزيز محسن:

أصبح مشهد إزالة بساتين الحمضيات مشهداً عادياً ومألوفاً على امتداد الساحل السوري.. فأعداد كبيرة من الحقول المثمرة يتم اقتلاعها من قبل أصحابها والأسباب تتعلق طبعاً بالخسارات المتلاحقة وتراجع المردودية الإنتاجية وعدم القدرة على تصريف الإنتاج بالأسعار المناسبة..

منذ عقدين من الزمن كان الاستثمار في الأشجار المثمرة وخصوصا الحمضيات هو الاستثمار الأكثر جدوى والأضمن والأسهل على المدى الطويل.. فتم البدء بالتشجير بدعم ورعاية من الدولة والتي وفرت الغراس ومنحت القروض والتسهيلات، وليصل عدد الأشجار المزروعة إلى أكثر من 14 مليون شجرة من كافة الأصناف المتوفرة آنذاك حيث وصلت المساحات المزروعة إلى أكثر من 42 ألف هكتار، ووصل الإنتاج السنوي إلى أكثر من مليون و250 ألف طن وفعلاً مرت هذه الزراعة بفترة ازدهار استمرت عدة سنوات استفاد خلالها المزارع وتحسنت أحواله.. أما في الوقت الراهن ومنذ عدة سنوات فقد تغير المشهد تماماً فبساتين الحمضيات أصبحت عبئاً على أصحابها دون أي أمل في استرداد تكاليف الإنتاج الباهظة موسماً بعد آخر.. وأمام هذا الواقع الصعب لا يرى المزارع حلاً إلا اللجوء إلى المقامرة واللجوء إلى اقتلاع أشجار الحمضيات والتحول إلى الزراعات المحمية “البيوت البلاستيكية” التي بدورها لم تعد آمنة ولا محمية من عوامل عديدة مثل الطقس والظروف الجوية السيئة وكذلك غير المحمية من تقلبات الأسعار..

ولا تبدو وزارة الزراعة مكترثة أو يعنيها الأمر رغم وجود مكتب خاص ومستقل للحمضيات وعدد كبير من الإرشاديات الزراعية.. فهي لم تهتم بما يكفي لمتابعة أحوال هذا القطاع ولا بمتابعة معالجة الأمراض ولا بتوفير مستلزمات الإنتاج من أسمدة متنوعة وأدوية ومبيدات خصوصاً أن هناك شكاوى كثيرة من قبل المزارعين حول انتشار كبير للغش والتزوير والتقليد في هذه المستلزمات بكافة أنواعها وعدم فعالية الأدوية المحلية والمستوردة بشكل نظامي وكذلك المهربة ناهيك عن فوضى التسعير والاستغلال بكافة أشكاله.. أما الدور الأهم الذي لم تقوم به الوزارة فهو ضرورة توفير أصناف جديدة ذات إنتاجية عالية ومقاومة للأمراض والعوامل الجوية وتتمتع بقدرة جيدة على المنافسة في الأسواق الخارجية، فمعظم الأصناف الموجودة حالياً هي أصناف تقليدية وعادية تصلح للاستهلاك المحلي السريع فقط كما أنها غير مجدية لدى معامل العصر لانخفاض انتاجيتها..  

اما فيما يخص الجانب التسويقي المحلي فقد كان لوزارة التجارة الداخلية العام الماضي دوراً إيجابياً عبر استجرار كميات من المحصول لصالح المؤسسة السورية للتجارة مما خفف إلى حد كبير من الأزمة التسويقية ولكن هذا التدخل لم يكن كافياً سواء من حيث الكميات المستجرة أو من حيث الأسعار التي لم تتجاوز سعر التكلفة ونأمل هذا الموسم أن تستمر المؤسسة بتدخلها الإيجابي ولكن بكميات أكبر وبأسعار أعلى وأكثر إنصافاً..  

وفي مجال التصنيع لا ندري إلى أين وصل موضوع إقامة معمل العصائر المزمع إقامته في محافظة اللاذقية.. ولكن وكما تشير دراسة الجدوى الاقتصادية الخاصة بالمعمل فأن الطاقة الإنتاجية المخططة له لا تتجاوز الـ 65 ألف طن بينما الإنتاج السنوي للحمضيات في الساحل السوري يتجاوز المليون و250 ألف طن، وبالتالي لا بد من زيادة عدد هذه المعامل عبر تسهيل إجراءات التراخيص للقطاع الخاص للدخول والاستثمار في هذا المجال..

إزاء هذا الواقع لا بد من دق ناقوس الخطر واستنفار الجهات المعنية بالدولة للقيام بما يلزم لوقف تدهور زراعة الحمضيات وإيجاد الحلول الفنية المرافقة للعملية الإنتاجية وكذلك الحلول الناجعة والسريعة لمسألة تصريف الإنتاج بالأسعار المناسبة والتي تضمن تحقيق هامش ربح جيد ومردود مناسب للمزارع يجعله يحافظ على استمرارية هذه الزراعة الهامة ..

محدث

قد يعجبك ايضا

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.