موقع الكتروني خدمي اقتصادي سياحي اجتماعي

حكاية جريح وطن

كل الآلام والجراح التي ما زالت تنزف وتنز قيحاً ووجعاً، لم تثنه أن يرجع إلى ساحات المجد والقتال، كبس عليها ملحاً وسارع يلحق برفاقه، أصيب ثلاث مرات، وفي كل منها يضعف الجسد لسنة وبعض أشهر، وما أن تستكين الأوجاع أو يتكبر عليها ويعتاد، حتى يسلم أمره لقضاء الله ويعود لأصدقائه الذين لم يبارحوا فكره ولبه، يسندجسده على عكاز ويسارع لحمل بارودته التي لم تفارق حضنه طوال فترة الغياب، يترك زوجته وولده ذي السبع سنوات في غرفة صغيرة استأجرها ب17 ألف ليرة في حي الحمام وباقي أركان البيت ( حمام ومطبخ ) يتشاركه مع الجيران، يعيشون ضيق المعيشة والحال والمكان بأشده، التقيتهم في جمعية تساما بعيد الميلاد حيث الفرح والعطاء واللباس والألعاب، وعندها شكروا القائمين على العمل فيها لتقديمهم لهم المساعدة بأشكالها كافة .
الجريح وائل أحمد صقر متطوع بالحرس الجمهوري، التقيته الشهر الماضي في مشفى زاهي أزرق، يحمل عكازه ويجوب في أروقة المشفى ليطمئن على رفاقه الجرحى ومنهم محمد سلوم، ولما سألته عن إصابته وكيف وصل إلى هذه الحال ؟
أشار إلى أنها ليست الأولى ونال اثنتين قبلها في هذه الحرب الغاشمة، لكنها لم تنل من عزيمته ولا صبره وإيمانه ونفسه التي لا تهدأ إلا بالقرب من رفاقه رجال الجيش العربي السوري الأشداء، آخر إصابة له كانت في 23/8/2016 بأحد جبهات القتال في جوبر، بطلق ناري سام من قناصة علقت في شريان الفخذ، وأدت إلى كسر وتفتت بالفخذ الأيسر، وكان أن نقل إلى مشفى تشرين بدمشق حيث كانت تغص بالجرحى، تركوه لتمر ساعات نهار كامل وأخر على أرض الإسعاف دون وسادة أو غطاء والجسد ينزف، ولم يسأل عنه أحد، بينما يسارع الأطباء والمسعفون لإنقاذ رفاق بحالات خطرة، ولما انقضى الوقت وغرق بألم وكأن فيه ثبات، سأل أحدهم أن يوقف له الألم، وبعد حين جاء بمن استجار به حاملاً بعض العدة ومنها صاروخ يتأبطه، اقترب منه وتلقف الصاروخ بيديه، ودون إنذار أو تخدير قام بفتح مكان في ساقه لسيخ فيه شد العظم، عندها فقد وعيه من شدة الألم، ساعات مضت إلى أن استعاد رشده، فاستجار بابن عمه ضابط في الجيش، فأتى إليه مسرعاً لينقله إلى سرير في أحد الأقسام، وأجريت له عدة عمليات عظمية وأعصاب، وعمليات تثبيت وترقيع وتجريف والتهابات شديدة، في أحدها بقي لأكثر من عشرين يوماً متدثراً بالثلج بغرفة العناية المشددة، وما إن خرج من المشفى حتى عاد إلى قطعته العسكرية في الغوطة الشرقية، ولم يكن أحد ليشك بأنه يعاني الجراح والألم لولا ترنحه ووجه الشاحب وجسده الضعيف الذي يحمله عكاز، وما زال الجرح ينز ويتقيأ القيح والدم إلى اليوم، والطبيب ليس لديه من قول سوى : لا مفر من الضمادات لحين العمل الجراحي، وتابع وائل ليقول :
( شحار اللي ما إلو حدا ) عندما عرضت على اللجنة الطبية والمجلس لم يعطوني غير 30% نسبة عجز، وأنا عاجز عن القيام بأي عمل، وغيري كمثل إصابتي ولا يعاني آلامي ومصابي، قد نال 40% وأكثر وسرح من الخدمة، ولما سألته كيف له ذلك قال : ( إنت وشطارتك ) .
يصمت قليلاً والقلب يغص بالحسرات، ليزفر بعض الآهات واللوعات :
كل 15 يوماً وجب علي أن أسافر إلى دمشق لتجديد النقاهة بمشفى 601، وهو ما يكلفني فوق طاقتي مشقة السفر وعبء الأجور، إذ أحتاج 12ألف ليرة شهرياً، كما أحتاج للإبر المسكنة للألم من 4- 5 إبرة سعر الواحدة 2200 ليرة سورية، والمهدئات لألم يفتك بالجسد وينخر قواه أحتاج لعلبة فيها أربع حبات فقط ب1200 ليرة سورية وهي دواء دائم ويومي، كما أني لم أقبض راتبي منذ شهرين، وفي بعض الأحيان أرائه من السوق السوداء، كما أني أحتاج إلى الريمادول وأجده متوفر في أحد المراكز الصحية القريبة من مكان سكني إلا أن رئيسة المركز ترفض أن تعطيني إياه بذريعة وصفة طبية لست قادراً على الحصول عليها إذ إني أخذ البديل من المشفى،و الذي لا أجد فيه أي منفعة لصحتي التي هي في تدهور مستمر، أشعر بالعجز وقلة الحيلة أمام عائلتي، وأرى في عيونهم ألماً ووجعاً أشد مما أنا فيه، ولكن الذي يثلج صدري ابتسامة ولدي التي لا تفارق وجهه وهو ينشد ويقول لرفاقه: أبي بطل وشجاع من رجال الجيش العربي السوري، وزوجتي أراها تمسك بيدي وتهون علي وتقول : أنت سيد هذا البيت، والحمد لله أنك رجعت سالماً لنا، وصوتك يملأنا حياة .
وأي حياة هذه وأنا لا أستطيع تأمين أدنى درجات العيش ؟ وأي صوت وسط ضجيج الألم؟ وأي لون يصبغ كل يوم وكل حلم ؟ وأن أعيش لأرى فرح انتصار رفاقي وأسف أني أطلت عليهم الغياب هذه المرة، لكن عودتي لملاقاتهم وعد مني هو في القريب .

بانوراما طرطوس- الوحدة

قد يعجبك ايضا

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

This site uses Akismet to reduce spam. Learn how your comment data is processed.