موقع الكتروني خدمي اقتصادي سياحي اجتماعي

العنوسة زمن الحرب.. نساء فاتها القطار الذهبي! أمثلة من وحي الواقع والأزمة في سورية

بانوراما طرطوس- هنادي سليمان:

تقضي ليلي على مدخل بيت أهلها في “الشيخ سعد” في أطراف مدينة طرطوس حزنها على خطيبها محمد الذي استشهد منذ ستة أشهر بعد أن قضى أعواماً خمسة في الخدمة العسكرية الإجبارية.
خدم محمد في درعا منذ العام 2012، وفي الوقت الذي بدا أن تسريحه قريب من الجيش لبدء حياة جديدة ـ فهو مهندس إلكترون خدم كضابط ـ انطلقت الأحداث في البلاد لتمنع تسريحه المفترض، تقول ليلي ابنة الثانية والثلاثين والحاصلة على شهادة هندسة زراعية وتداوم في إحدى مديريات المدينة بصفتها مهندسة حدائق، تشير ليلي إلى أنها لم تر خطيبها الشهيد إلا مرات قليلة في السنوات السابقة.
“لم نتمكن من تأمين نقله إلى منطقة أقرب آمنة كي نتزوج ونعيش معاً، كان هناك صعوبات كثيرة منها اختصاص محمد في الإلكترون القليل الانتشار في الجيش، هم يحتاجونه في العمل، لقد تعرض لإصابة في فخذه الأيمن مرتين ورغم ذلك كان يعود إلى موقع عمله، بيتنا المستقبلي أصبح شبه جاهز رغم أن أهلي رفضوا بشدة أن أسكن فيه بعد رحيل محمد” تضيف ليلى بحزن.
ليلى ليست الوحيدة في طرطوس التي خطبها شاب ثم التحق بقطار العسكرية واستشهد، فهناك عشرات من أمثالها، قبل عام 2012 كانت نسبة النساء السوريات مقابل الرجال وفق إحصاءات شبه رسمية 2 من النساء مقابل 1.5 من الرجال، ومع اندلاع الأحداث وانخراط الرجال في الحرب تغيرت هذه النسبة كثيراً وبات شبح العنوسة يهدد أعداداً متزايدة من النساء في سن الزواج أو حتى ممن هن متزوجات وترملن.
تقول بعض المعلومات أن عدد الشهداء الذكور ممن هم في سن الزواج بين 18 ـ 42 عاماً بلغ أكثر من خمسين ألفاً على الأقل في الساحل السوري، الأمر الذي جعل الزواج للنساء ممن هن في نفس العمر أمراً صعباً، وعدا عن ذلك فإن الوضع الاقتصادي السيء قد دفع بكثير من المتبقين إلى العزوف عن الزواج، تقول “يسرى” وهي صبية في الثامنة والثلاثين إن تكلفة “فتح بيت” هذه الأيام تبلغ “حسبة كبيرة” لا تقل عن مئة ألف ليرة كل شهر، تضيف الصبية خريجة الأدب العربي: “حتى في حال التفكير بسكن الآجار فإن الكلفة تتضاعف في ظل وجود أعداد كبيرة من النازحين في المدن والريف، أقل غرفة أجارها 20 ألف في الضواحي”.
على الجانب الآخر، جانب الرجال والشباب فإن المسألة مشابهة، وإذا كان هناك إمكانية لهؤلاء للبقاء بمنأى عن انتقادات المجتمع عدم زواجهم فإن النساء تتعرض لنقد مجتمعي بسبب وبدونه، تقول “يسرى” إن أهلها ما عادوا يحبون وجودها في البيت بعد أن بلغت هذا السن رغم أنها تعمل ليلاً ونهاراً، “كأننا نحن من اختار البقاء بدون زواج، وكأننا نعيش في ظروف مثالية للزواج، اليوم لا أحد يتزوج إلا كل مغامر وشجاع، من يضمن عدم طلب الزوج إلى الاحتياط؟ أي شاب فوق 18 معرض لذلك”.
من جانبه يرفض “علي” الزواج الآن رغم أن بيته جاهز وهو موظف في عمل يدر عليه شهرياً قرابة المئة ألف ليرة سورية، يفسر ذلك بأنه لم يطلب إلى الاحتياط إلى الآن ولكنه لا يستطيع العيش بسعادة في ظل وجود حرب في البلاد: “لم أهاجر أسوةً بكثير ممن فعلوا ذلك تاركين الوطن والبلاد، إلا أنني ما أزال قلقاً من احتمال تركي لكل حياتي للالتحاق بخدمة الوطن، المشكلة ليست في الخدمة، فهذه مقدور عليها وهي واجب، المشكلة هي أنك إذا التحقت لن تعرف متى تنتهي الحرب ومتي يتم تسريحك، لا يوجد قانون ناظم لذلك”.
لا توجد حلول لمشكلة العنوسة في ظل الوضع الراهن، فالمجتمع السوري يعيش حالة من التفكك والضياع بسبب الحرب، من الصحيح أنه تجاوز كثيراً من المطبات والمشاكل إلا أنه ما يزال أمامه كثيراً من الأمور حتى تهدأ أحواله ويعود إلى الوضع الطبيعي، فالزواج كمسألة تجمع بين رغبات الأفراد والمجتمع والمؤسسات الناظمة لهذا العمل، تشير إحصائيات غير رسمية إلى أن نسبة العنوسة بلغت 70% في العام 2015 للأسباب السابقة كلها، وحلت سوريا في المرتبة الثانية عربياً خلف لبنان الذي وصلت نسبة العنوسة فيه إلى 85 فيالمئة، وذلك وفق إحصائية قامت بها إحدى الإذاعات الهولندية.
اليوم سعر بدلة العرس شراءاً في أسواق دمشق قرابة 70 ألف ليرة سورية، وأجاراً 20 ألف وهو سعرها مبيعاً قبل الأزمة، أضف إلى ذلك أن سعر غرفة النوم قد وصل إلى 300 ألف في المتوسط، تلعب هذه الأمور دورها غير المعلن في التخفيف من حالات الزواج بين البشر السوريين.
“يشارإلى أن الإحصاءات المحلية ذكرت أن أعلى نسبة زواج ذكورية هي لحملة الشهادة المتوسطة، بنسبة 39 في المئة،وأقلها حملة الدرجة الجامعية العليا بنسبة لاتتعدى 3 في المئة، ولايختلف الحال لدى الإناث، فأعلاها بين حملة درجة الشهادة المتوسطة بنسبة 37.7 في المئة،وأقلها حملة الدرجة الجامعية بنسبة لاتتجاوز 2 في المئة، وهومايعني إمكانية صياغة فرضية تقول “كلما زادت الدرجة العلمية قل الإقبال على الزواج لدى الجنسين” وفقاً للدراسة السابقة.
يشار أخيراً إلى أن الفقراء هم أكثر زواجاً من الطبقة المتوسطة في سوريا، يومياً هناك أكثر من 20 حالة عقد قران تسجل في محاكم دمشق لوحدها، في طرطوس النسبة قريبة.

قد يعجبك ايضا

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.