موقع الكتروني خدمي اقتصادي سياحي اجتماعي

قلعة المرقب .. في دائرة الاهتمام السياحي

 

عبد الرحيم أحمد:

ما إن تتجه يميناً عن الأوتستراد الدولي قبيل وصولك من طرطوس إلى بانياس حتى تأخذك الطريق المتعرجة صعوداً باتجاه قلعة المرقب كأنك تصعد إلى السماء، حيث تتربع قلعة داكنة اللون بخطوط بيضاء على ارتفاع 360 متر مشرفة على البحر المتوسط من مسافة ثلاثة كيلومترات فقط، ما جعلها نقطة مراقبة وتحكم عسكري حاكمة على طول الشريط الساحلي الممتد بين طرطوس وبانياس.

شكلت القلعة التي تأخذ شكل مثلت على مساحة تبلغ نحو 60000 متر مربع، حصناً طبيعياً منيعاً بحكم وجودها على جبل بركاني تنحدر سفوحه بشدة على محيطه من الجهات الأربع الأمر الذي جعلها عصية على الغزاة في هجمات كثيرة. تتركز كتل الأبنية والتحصينات الدفاعية في الجهة الجنوبية الغربية للقلعة الجهة الأضعف طبيعياً، فيما تتركز الأبنية السكنية في الشمال الشرقي.  يحيط بالقلعة سور مزدوج يتراوح ارتفاعه بين10 و 20 متراً، وتتوزع على الأسوار ثمانية عشر برجاً للمراقبة والرماية تختلف أشكالها بين الدائري والمستطيل حسب مهمة كل برج.

القلعة تختزن حضارات تعود للفترة الإسلامية والبيزنطية والصليبية

المهندس فواز أحمد رئيس دائرة أثار طرطوس قال لموقع (Syria In): “أن القلعة بنيت من قبل سكان المنطقة العرب المسلمين في عام 1062م لكنها في نفس الوقت تختزن حضاراتٍ ثلاث، تعود للفترة الإسلامية والبيزنطية الصليبية بحسب تتالي السيطرة عليها”.

وتشير المصادر التاريخية إلى أن العرب هم من أطلق على القلعة اسم “المرقب” وهي تعني الموقع الذي يراقب منه، فيما عرفت من قبل الصليبيين باسم مارغت وعند البيزنطيين مارغوتوم .. وقعت القلعة تحت الاحتلال البيزنطي عام 1104 لفترة قصيرة ثم احتلها الصليبيون خلال حملتهم على الساحل السوري في عام 1117م وتتالت الهجمات الإسلامية على القلعة لاستردادها من الصليبيين لكنها فشلت بسبب شدة تحصيناتها إلى أن شن عليها السلطان المملوكي المنصور قلاوون هجوماً وضرب حولها حصاراً فاستطاع استردادها بشكل نهائي عام 1285 م. استخدمت القلعة حامية وسجناً إبان الاحتلال العثماني وحامية عسكرية خلال الاحتلال الفرنسي.

إعادة إحياء القلعة واستثمارها سياحياً

وعن عمل البعثة السورية الهنغارية المشتركة في القلعة أشار المهندس أحمد إلى أهمية القلعة من الناحية التاريخية والسياحية والاستثمارية موضحاً أن البعثة المشتركة بدأت أعمالها المسحية في القلعة عام 2007 واستمرت لغاية عام 2011 حيث توقفت الأعمال المشتركة نتيجة الظروف التي مرت بها سورية وقال.. “قامت البعثة خلال المواسم الماضية بأعمال توثيق ورفع طبغرافي ساعد في وضع دراسة تنفيذية تدعيميه لبعض الأجزاء المتضررة من القلعة وتم لهذه الغاية بالتنسيق مع المديرية العامة للآثار والمتاحف رصد المبالغ المناسبة لإعادة تأهيل وترميم بعض الأجزاء المتضررة”.

وأضاف أن أعمال البعثة المشتركة حالياً “مهمة جداً في تدقيق الوظائف التي كانت تستخدم فيها مباني القلعة ووضع إستراتيجية بعيدة المدى لإعادة تأهيل واستثمار القلعة ومحيطها سياحياً واستثمارياَ إضافة لتبادل الخبرات في مجال معالجة المشاكل الإنشائية التي يمكن أن تعاني منها بعض المباني في القلعة ولاسيما المتهدمة منها وتدعميها وإعادة ترميمها”.

تضم القلعة عدة مبان هامة منها الكنيسة والجامع وبرج الفرسان وبرج المدخل الرئيسي والمجمع العثماني وغرف المؤونه والإسطبلات وخزانات تجميع المياه وقنواتها.. حيث تضم الكنيسة أكبر لوحة فريسك مرسومة في الشرق الأوسط إلا أنها متضررة بشكل كبير وتخضع اللوحة لعمليات مسح من قبل البعثة المشتركة لإعادة إحيائها كما كانت.

القلعة من أهم وأكبر قلاع القرون الوسطى في الشرق الأوسط

ويؤكد الباحث الأثري الدكتور بالاج مايور رئيس الجانب البلغاري في البعثة أن “قلعة المرقب من أهم وأكبر قلاع القرون الوسطى في منطقة الشرق الأوسط ومن أغناها” موضحاً انه قبل البعثة السورية الهنغارية المشتركة لم تحدث تنقيبات أثرية في القلعة، فقط جرت عمليات تنظيف وترميم لذلك “هناك فرصة ذهبية اليوم لاستكشاف كيف تم بناء القلعة عبر مئات السنين وكذلك معرفة وتدقيق وظائف الغرف وقاعات القلعة من أجل إعادة إحيائها واستثمارها سياحياً عبر إعادة ترتيب بعض الغرف كما كانت وكيف كانت الحياة فيها من خلال اللقى الأثرية التي تم العثور عليها وفتحها كمتحف للزوار”.

وأضاف أن الفريق الذي يعمل على ترميم الرسومات الجدارية “اكتشف أكبر لوحة رسومية فريسك في الشرق الأوسط على جدار الكنيسة الموجودة في القلعة من القرن الثالث عشر ونحن في هذا الموسم نواصل التوثيق الهندسي والأثري وبناء عليه نساعد الفريق السوري بإعادة إحياء القلعة واستثمارها سياحياً وأثرياً”.

المهندس مروان حسن رئيس الجانب السوري في البعثة أكد للموقع أن “المهمة الحالية للبعثة تتمثل بإعادة إحياء الأعمال الأثرية للبعثة بعد توقف خلال الفترة الماضية واستكمال الأعمال المسحية بإعداد دراسة ومخطط تأهيل واستثمار سياحي لقلعة المرقب ومحيطها وهذا أمر مهم جداً بعد عدة سنوات من البحث العملي والأثري”.. مشيراً إلى أن “نتائج توثيق الوظائف الأساسية لمباني القلعة وتحديد كيف كانت تعمل تلك المباني واستخداماتها ستوظف في إعادة تأهيلها واستثمارها .. نفكر حالياً بموضوع تأهيلي بعيد المدى”.

قضينا الأوقات الجميلة مع الأصدقاء السوريين وسنبقى معهم في كل الظروف

لم يفت الخبير الأثري الهنغاري أن يؤكد أنه رغم الظروف التي تمر بها سورية “قررنا الاستمرار في سورية وعدم ترك البلد ..فالتعاون جيد رغم كل الصعوبات الموجودة حالياً ونحن لم ننقطع عن سورية رغم انقطاع الأعمال الأثرية .. وها نحن اليوم نقوم بالموسم الحقيقي في الأعمال المسحية ونحن قضينا الأوقات الجميلة مع الأصدقاء السوريين وسنبقى معهم في كل الظروف” موضحاً أن كل عام تقوم البعثة المشتركة بثلاث مواسم، موسم شتوي وموسم ربيعي وموسم الصيف وفي موسم الصيف عادة يشارك فيه أساتذة وطلاب يتجاوز عددهم ال70 شخصاً من هنغاريا بالإضافة لخبراء وأساتذة وطلاب سوريين من الجامعات السورية لتبادل الخبرات والتدريب.

من يخرب معلماً أثرياً كمن يحرق كتاباً في تاريخ الحضارة الإنسانية

وأكد الخبير بالاج أهمية ما تقوم به البعثة السورية الهنغارية المشتركة في “حفظ وتوثيق التاريخ في ظل ما يجري من تدمير للتاريخ من قبل الإرهابيين”… وقال “من يخرب معلماً أثرياً كمن يحرق كتاباً من تاريخ الحضارة الإنسانية بشكل عام ولاسيما في سورية التي تعتبر مهد الحضارات فهي أثارنا وحضارتنا” موضحاً أنه في عام 1217 زار ملك هنغاريا أندري الثاني القلعة.
لاشك أن الحفاظ على التراث من خلال ترميم المواقع الأثرية وإعادة إحيائها مهمة إنسانية وحضارية، لكنه مشروع سياحي بعائدات استثمارية ضخمة أيضاً، ولاسيما في محافظة طرطوس السياحية بامتياز والغنية بآثارها ومصايفها وطبيعتها الجملية، والمطلوب من السلطات التنفيذية تخصيص المديرية العامة للآثار والمتاحف ودائرة آثار طرطوس بالتمويل اللازم من أجل تخديم المواقع الأثرية وتأهيلها لتصبح نقطة جذب سياحي داخلي وخارجي بعائدات مالية ضخمة لخزينة الدولة.

بانوراما طرطوس-Syria In

2016-02-15

قد يعجبك ايضا

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.