الثقافة الطفولية محصورة بالنخبة المجتمعية.. جوائز وإشادة … فيلم الكرتون «Coco- كوكو»… بين الموت والحياة طفل يتمسك بالقيم ويدافع عن إيمان الموهبة

فكرة الموت. الكبير الناضج غير قادر على استيعاب هذا الواجب بعد أن أُغدق علينا بحق الحياة ونعمه اللامحدودة، ولكن السؤال: كيف يمكن أن تُطرح هذه الفكرة على الأطفال كي يتلقنوا ومن ثم يتعلموا أمور الواقع؟ نعم يا سادة سبقونا بمئات السنين، فعبر فيلم أنميشن كرتوني يمكن معالجة أهم قضايا الحياة، وتعزيز ثقافات أساسية يجب أن تجز في المدارك لأنها من صلب الواقع الحقيقي ولا يمكن تجاهلها، فالمرء لا محالة سيصطدم بها وعليه مواجهتها مهما طال الزمن، أو الشخص نفسه احتال عليها متجنبا إياها.

الفرق بين الثقافتين-الشرق والغرب-بأننا نحن من اعتدنا على ثقافة التجاهل، بينما الطرف الآخر اعتاد على مواجهة المشكلة والوقوف أمامها ومن ثم حلّها. اليوم وعلى الرغم من أن الموضوع مختلف وبعيد تماما عما سنتحدث عنه، لكننا على مشارف تحرير من أبشع صور الإرهاب، والمرحلة القادمة تتطلب منا أن ننهض بطفلنا الممزق فكرياً وعاطفياً، كي نجعله مسؤولاً عن مستقبل قادم، واجب عليه بناؤه. وهذا يطالبنا بأن ندرك جيداً بأن القادم هو أصعب من الماضي، فالبناء وما قررنا أن نطلق عليه إعادة الإعمار- وما أسميها أنا على الصعيد البشري إعادة التأهيل- يحتاج منا وقتاً وجهداً وصبراً. أنا لا أحب التنظير، ولكن ما دفعني إلى كتابة هذه السطور الوعظية ببساطة النقطة التي افتتحت بها الحديث، وهي فيلم الكرتون «Coco- كوكو»، وهو من إنتاج أستديوهات «بيكسار» للرسوم المتحركة، بالشراكة مع أفلام «والت ديزني». هذا الفيلم معظم أبطاله هياكل عظمية، ومدته ساعة وخمس وأربعون دقيقة، وكان أجمع كل من النقاد والمشاهدين على أنّه أفضل فيلم رسوم متحركة لعام 2017، بل من أفضل أفلام أنميشن في تاريخها كله. إضافة إلى أنه نجح في حصد جائزة أوسكار لأفضل فيلم رسوم متحركة في حفل توزيع جوائز الأوسكار في دورته الـ90 الذي أقيم في مدينة لوس أنجلوس الأمريكية للعام الجاري. ولإطلاعكم على المزيد حول هذا المنتج الفني الأخلاقي، سنتوقف ونتعمق في بعض وأهم نقاط الفيلم.

أحداث الفيلم
تدور قصة الفيلم حول «ميجيل» الطفل البالغ من العمر 12 عاماً، وهو صبي مكسيكي داكن البشرة، يحلم دائماً بأن يكون موسيقياً مشهوراً كفنانه المفضل «إرنستو دي لا كروز»، ولكن لسوء حظه، هذا الصغير يعيش وسط عائلة لا تشجّع، أو ترّحب بأي آلة موسيقية أو سماع نوتة واحدة منها، وذلك بسبب قيام جد جدته بهجر عائلته لاهثاً خلف المجد الموسيقي، لتقرر بعدها الجدة الكبرى التفرغ لتربية ابنتها، والعمل على صناعة الأحذية، هذه المهنة التي مكنتّها من تأسيس عائلة كبيرة، امتدت لأجيال حتى وصلت إلى الطفل «ميجيل». الأزمة أو الصراع في الفيلم هي أنّ الصغير يعشق الموسيقا- المحرّمة عائلياً- ولأنّ كل ممنوع مرغوب، هاجسه الملحّ دفعه إلى الاشتراك في مسابقة غنائية في عيد الموتى، ولأنه لا يملك آلة الغيتار، قرر استغلال المهرجان الكرنفالي ودخول الكنيسة- وهو لم يسرق الغيتار- بل استعاره من أهم مغن مكسيكي وهو مثله الأعلى «ديلا كروز» الراحل، وفي المقبرة ولسبب ما ينتقل الطفل «ميجيل» إلى عالم الأموات، ليصبح البشري الوحيد بينهم، وتمضي أحداث الفيلم في صراع، كي يكسر بطلنا الصغير اللعنة ويعود إلى عالمه الحقيقي، وهنا يدخل في كثير من المغامرات والمواقف المضحكة والاستفزازية مع أفراد عائلته الراحلين.

عِبر القصة وقيمها
الشركتان المنتجتان «بيكسار وديزني» كعادتهما تتناولان في الأفلام المنتجة الكثير من قيم الحياة وأسرارها، ويتم طرحها وهي في مستوى عال من النضج، وما يلاحظه المشاهد الكبير قبل الصغير في فيلمنا، هو التركيز على أهم المبادئ الأساسية، منها ضرورة العمل أن يكون للمرء مهنة في حياته حتى لو ورثها عن آبائه وأجداده، إضافة إلى أهمية العائلة في حياتنا، مع الإشارة إلى أنه من الطبيعي أن يكون في العائلة الواحدة صراعات واختلافات يخلقها عدم التوافق الفكري والعاطفي وحتى عدم القبول بين أفراد العائلة الواحدة، والتركيز على جوانب أخرى كالحب غير الأناني أو غير المشروط، وفي أحداث أخرى بالفيلم نجد التركيز على أهمية تعزيز إيمان المرء بذاته، والتمسك بالمواهب مهما كانت الظروف، مع عدم الاستسلام، أو كبحها والسيطرة على سلوك الطفل أو قولبته بما نحب نحن الكبار، أو بما نراه مناسباً له بعيداً عن حلمه، بل تحقيقاً لحلمنا نحن، هذا كله تمت صياغته وفق حوارات ومواقف بسيطة تضمنت رسائل موجهة لنا نحن الكبار أولاً قبل الصغار.

الموت المبهج
ما يميّز الفيلم وما يجعله مستحقاً للجوائز وأيضا الحديث عنه مع دعوة لمشاهدته، هو معالجة فكرة الموت وتقديمها، ولكن بعيداً عن البكاء والعويل، أو الخوف والرعب، بل ضمن إطار مرح تجتمع فيه الموسيقا مع الفرح والألوان الزاهية. فعيد الموتى يعتبر من أهم الأعياد المكسيكية، وفيه تحتفل كل عائلة وتتذكر موتاها، من خلال وضع صورهم على مذبح محاط بالزهور البرتقالية التي ملأت المكان مع الشموع، كما يقومون بزيارة المقابر ولكن ضمن كرنفالات وأجواء احتفالية وسط أغان وموسيقا ذات نكهة مكسيكية محترفة، بين المرحة والراقصة حينا، والحزينة والممتلئة بالشجن وبالذكريات أحيانا أخرى، فعيد الموتى عندهم هو عيد ليس للحزن أو البكاء على الراحلين، بل هو يوم لتذكرهم، لكون الذكرى تسعدهم وهم في عالمهم الآخر، الذي جسده المؤلف خلال القصة وأظهره المخرج، بأنه عالم غير مخيف، والأمر واضح من شكل الهياكل العظمية والأزياء التي صممت لها، والدقة في عدم تشابه أي هيكل عظمي عن الآخر، فلكل واحد هيئته الخارجية الملائمة لصورته قبل وفاته، كلّها عناصر استعان بها المخرج ومكنته من النجاح في جعل فكرة الموت غير مرعبة أو صعبة في التقديم لأطفال صغار، بل ربما- وبحسب النقاد والاختصاصيين-هذا الفيلم ساهم في التخفيف من عبء شرح فكرة الموت والحياة لعدد كبير من الآباء والأمهات.
في البحث عن الإبداع

شرارة الإلهام تحتاج إلى الصبر حقاً ولكن من دون الجلوس والانتظار، بل على العكس كي تتقد وتشتعل من جديد، على المرء مواكبة حياته بشكل طبيعي ولكن مع نفسٍ عميق فيه الكثير من التأمل والتفكّر. وفي مجال صناعة ما يتعلق بالأطفال عند العالم الآخر، تجدهم يبذلون كل جهد للابتكار، على حين نحن دائماً نلجأ للاستسهال والتعامل مع الطفل لكونه الكائن البليد في التفكير والشعور، والذي يحتاج منا الكثير من التكرار والإلحاح كي يستوعب الأفعال والأقوال، والدليل الواقع الطفولي- لدينا- من كل ما يحيط به. نحن وللأسف الشديد، الثقافة الطفولية محصورة بالنخبة المجتمعية، على حين في الطرف الآخر يبحثون عما يبهر الطفل حتى ولو كان الأمر مضنياً. وفي الفيلم موضوع البحث، هو قصة وسيناريو وحوار «أدريان مولينا»، وفكرة وإخراج «لي أونكريتش»، مبدع الجزء الثالث من فيلم «حكاية لعبة» أو «Toy Story 3»، فلقد قام المخرج مع فريقه بالسفر إلى المكسيك خمس مرات، للحصول على الإلهام الذي قاده إلى رسم الشخصيات، والخط الدرامي الذي اتبعه في الفيلم، وخاصة أنه رغب في تقديم فيلم فلكلوري، يُظهر فيه الهياكل العظمية- على الرغم من أن الفكرة مرعبة- إلا أن ظهورها جاء بصورة مبهجة تزامناً مع الاحتفال بعيد الموتى. هذا واستغرق العمل منه مع فريقه جهداً ووقتاً، واستوحيت القصة من شعب المكسيك وثقافته وتقاليده، إذ زار صانع العمل وفريقه على مدى ثلاث سنوات المتاحف والأسواق والساحات الشعبية والكنائس والمزارع في مدينة «مكسيكو»، للتعرف إلى العادات والتقاليد بداية من الأطعمة والأزياء، وحتى الحضارة العمرانية، إلى الموسيقا التي يستمتع بها شعب المكسيك. وتجدر الإشارة إلى الفريق نفسه- الذي حاز جائزة الأوسكار في عام 2013 عن فيلم «frozen» واستلهم الموسيقا والأغاني من المناخ المكسيكي، والشخصيات التي عاشت في تلك الثقافة خلال حقبة العشرينيات والثلاثينيات. هذا ومن جهة أخرى الدقة كانت بالغة في التصميم، وخاصة أن معظم الشخصيات كما ذكرنا عبارة عن هياكل عظيمة، الأمر الذي تطلب جهداً مضاعفاً في التحريك، لإظهار الانسيابية بطريقة سلسلة، وطريفة ومسلية عند ربطها بالموسيقا والرقص، هذا إلى جانب تصميم أكثر من 500 قطعة ملابس لأزياء الشخصيات التي ظهرت بالفيلم.

الطاقم في الفيلم
فيلم «Coco- كوكو» كما ذكرنا أعلاه من قصة وسيناريو وحوار «أدريان مولينا»، ومن إخراج «لي أونكريتش»، وشارك في الأداء الصوتي لشخصياته إلى جانب بنجامين برات، كل من جايل جارسيا برنال وريني فيكتور وأنتوني جونزاليس، وكلهم من ذوي الأصول اللاتينية البادية من اللهجة التي تمت تأديتها كي تكون منسجمة مع أحداث الفيلم وشخصياته والدائرة كلها في المدينة المكسيكية.

الأوسكار والإيرادات
في ختام حديثنا لابد من الإشارة إلى أن هذا الفيلم الكرتوني والمنتج للأطفال حصد إيرادات بلغت 453 مليون دولار أمريكي بعد أربعة أسابيع من عرضه في أكثر من 3,987 دار عرض سينمائي حول العالم، إضافة إلى ما ذكرته أعلاه، فقد حصد جائزة أوسكار لأفضل فيلم رسوم متحركة في حفل توزيع جوائز الأوسكار في دورته الـ90 والذي أقيم في مدينة لوس أنجلوس الأمريكية للعام الجاري.

بانوراما طرطوس -الوطن

 

قد يعجبك ايضا

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.