قروض بالجملة – ماذا عن الاقتصاد؟

طرحت المصارف العامة قروضاً مختلفة الأنواع والأشكال، وقدم القائمون على تلك المصارف تبريرات أو توضيحات حوال إمكانية الدخل الشهري لسداد أقساط تلك القروض 40 بالمئة من الراتب يضاف إليه 100 بالمئة من التعويضات الثابتة. وكأن حل هذه المعضلة سيؤدي إلى حل للوضع الاقتصادي. نعتقد أن الموضوع لا يكمن في كيفية احتساب قسط القرض. مع احترامنا لما طرحته المصارف والذي يشير إلى قيامها بواجباتها الاجتماعية لا أكثر. إلا أن الأمر يتعلق بسياسة نقدية وبالوضع الاقتصادي الكلي. جميعنا يعلم أن هناك كتلة نقدية كبيرة خارج إطار الأقنية المصرفية، وهذا الأمر سببه تفضيل الكاش عن بقية أدوات السداد الأخرى، والمشكلة الأخرى التضخم وارتفاع الأسعار وضعف القدرة الإنتاجية على تلبية الطلب رغم ضعف الطلب بالأسواق.
حسب تصريح أحد القائمين على هذه المصارف أن الجدوى من القرض أتى تماشيا مع الارتفاعات السعرية الحاصلة في الأسواق، وبأنه سيؤدي إلى تحريك النشاط الاقتصادي، أي القرض أتى استجابة لتطورات سعرية وليس لنقل الاقتصاد من مرحلة إلى أخرى. ونعتقد أن هذه القروض وما جاء في توضيحات احتساب الأقساط ونوعية القروض التي يغلب عليها صفة قروض استهلاكية لتشبع رغبة المجتمع في الاستهلاك تعطي مؤشر واضح إلى عدم توافر الاعتمادات اللازمة لرفع الأجور والرواتب والذي قد يرفع من نسب العجز في الموازنة، إلا أنه في الحقيقة ورغم حصول العجز فإن النتائج المتحصلة من رفع المستوى المعيشي للمواطن عن طريق زيادة الرواتب أهم بكثير وأكثر فائدة من المحافظة على توازن صوري في الموازنة العامة وأكثر فائدة من طرح القروض الاستهلاكية استجابة لمتغيرات سعرية، فالعجز الحقيقي ليس بعجز الموازنة وإنما بعجز الأفراد عن العيش بمستوى لائق يمكنهم من تطوير أنفسهم والمساهمة بشكل مريح وفعال في عملية التنمية الاقتصادية.
إن توفير السيولة للمجتمع بهذه الطريقة قد تحدث تحسناً وقتياً في أحوالهم المعيشية وتمنح المنتجين الفرصة في الاستجابة إلى الزيادة في مستوى الطلب وذلك بتحسن وتطوير وسائل وسبل الإنتاج. إلا أن هذا الوضع لن يطول حيث سيعود المجتمع للمعاناة بعد إنفاق القرض وتراجع الدخل الشهري بسبب القسط ما سيؤثر في الإنتاج مرة أخرى وبالتالي سيؤثر بشكل مباشر في الأسعار وفي نسب التضخم ونعود لمشكلة تتعاظم بدلا من تقليصها، مما يشير إلى أن هناك جهوداً تبذل لخلق حلول جزئية ذات آجال قصيرة جداً انعكاساتها السلبية على الاقتصاد أكثر بكثير من ايجابياتها. ولتوضيح ذلك نسأل. هل تم تأمين استمرارية إنتاجية لتلبية ارتفاع الطلب؟ هل هناك إمكانية حقيقية لرفع الإنتاج؟ وهل ما يطرح سيحدث توازن العرض والطلب عند مستويات سعرية متدنية؟ هل دعم تمويل الإنتاج وإعادة النهوض بالصناعة الوطنية يعتبر أولوية يجب أن تسبق منح مثل هذه القروض؟
بالنظر لواقعنا الاقتصادي الحالي نعتقد أن زيادة الطلب الكلي الناتج عن زيادة توافر السيولة بيد المجتمع سيؤدي إلى ارتفاع الأسعار بسبب عدم قدرة العرض على التجاوب مع هذا المستوى الجديد من الطلب إضافة إلى ارتفاع في تكاليف الإنتاج الناتجة عن ارتفاع تكاليف العمالة. وسيرتفع الطلب على المواد الأولية نتيجة الضغط على طلب المنتج، وكل هذا سيؤدي إلى ارتفاع في التكلفة ستزيد التضخم وستزيد من الطين بلة.
نعتقد أن توافر السيولة يجب أن يمول الأولويات، وعلى رأسها توظيفه في دعم العملية الإنتاجية وبالتالي المساهمة في توسيع القاعدة الإنتاجية لتلبية ارتفاع الطلب الناتج عن توافر السيولة بيد المجتمع، والحصول على وفورات اقتصادية، ستسهم بالنتيجة في تحقيق التوازن السعري المقبول بين العرض والطلب. دون إحداث زيادة في نسبة التضخم.
أخيراً نشير إلى تكاليف القروض المزمع منحها حيث تم التصريح عن فائدة 7 بالمئة تحسب على مبلغ القرض الممنوح طوال المدة. بحساب بسيط سنجد أن الفائدة الحقيقية على مثل هذه القروض ستصل إلى 12.5 بالمئة دون العمولات والرسوم. لن نعلق أكثر فالخوض بالتفاصيل تتطلب المطالبة بتحمل المسؤوليات تجاه النتائج. لذلك سنكتفي بانتظار إجابات المعنيين عن تساؤلاتنا.

بانوراما طرطوس – الوطن

قد يعجبك ايضا
  1. عامر الياس شهدا يقول

    ولو كتبو اسم الكاتب

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.