“رُهـاب البكالوريا” للمــرّة الألف..!

ايمن علي- بين قوسين:
استنفارٌ أسريٌّ، شدُّ أعصابٍ، توتّرٌ وقلق؛ عناوين دائمة تطبع هذه الفترة من السّنة بسبب ما اصطُلح على تسميته: “رهاب البكالوريا”..!

نعم؛ إنّه واقعُ أكثر من ربع مليون أسرة سوريّة تحتضن أبناءها المتقدّمين إلى امتحانات الشّهادة الثّانوية العامّة بفرعيها العلمي والأدبي، وتعيش حالة رُهابٍ واستنفارٍ ماديٍّ ومعنويّ مع هؤلاء الأبناء في “معركة العلامة”!؟ العلامة التي ستُحدّد مصيرهم وترسم معالم مستقبلهم في امتحان تقرير المصير.!

رهابٌ؛ لطالما استولده نظام القبول الجامعي المُعتمد، الذي أكل الدّهر عليه وشرب، والذي يكاد ينعدم فيه هامش الطّموح والهواية والميول والملَكَات الشّخصيّة؛ وما قد ينتجه من مبدعين محتملين، لصالح علامة “البكالوريا”: التي لها وحدها الكلمة الفيصل في تقرير المصير، لتغدو بحدّ ذاتها الغاية والهدف؛ ولتكرّس بالتالي قوالب التّلقين بما هي: (عملية صامتة من التّدجين وإطفاء جذوة الإبداع والابتكار وجعل الجميع متشابهين) حسب “يونغ”. إذْ أليس كلّ طلاب البكالوريا متشابهين لجهة القلق الشّديد الأقرب إلى الذّعر وهوس الحصول على العلامة؟ والأنكى: أنّ المجموع العام يمسي حكم قيمة للطالب، كما لو أنّ قيمته الذّاتيّة وكيانه الإنساني مُستمدّان من هذا المجموع..!؟

الأمر الذي يستوجب فتح باب النقاش العام الواعي واسعاً؛ حول الرّوائز والمعايير الواجب اعتمادها كنظام قبول جامعي لدينا، في ضوء أنظمة القبول الجامعي التي تعتمدها جامعات العالم؛ سواءٌ لجهة إنصاف الطلبة في انتظامهم بصفوفها، أم لجهة الحؤول بين هؤلاء الطّلبة وذويهم وبين “رهاب البكالوريا” بكل ما يستبطن من شدّات نفسيّة واستنفار أُسريّ على مدار العام، ويجعل وزارة التعليم العالي في مرمى الأسئلة: هل نظام القبول الجامعي القائم يعبّر عن كفاءة الطالب الحقيقية؟ وهلّا اعترفنا بدواعي وموجبات إعادة النّظر فيه كمدخل إلى تعديله؟ وإذا ما كان الجواب: بلى، فلِمَ لا يُطرح الموضوع للنقاش العام عبر وسائل الإعلام باعتباره قضية رأي عام؟ مستأنسين بتجارب الكثير من الدّول التي تستعين لهذه الغاية بمراكز متخصّصة بقياس المهارات والمَلَكات لدى الطّلاب، وتضمّ عدداً من الباحثين والأساتذة المحايدين الذين لا يرتبطون بأية وزارة أو جامعة، وتتجسّد مهمتهم الأساسيّة في إنجاز الامتحانات المعياريّة للقبول في الجامعات الحكوميّة منها والخاصّة على حدّ سواء.

بالتّأكيد؛ ثمّة من سيتحفّظ على هذه الخطوة؛ بدعوى التّخوّف من الشّخصانيّة وعدم الشّفافية التي قد تتمخّض عنها، قياساً بالموثوقيّة العالية التي يتمتّع بها نظام القبول القائم على علامة الثّانوية العامّة المطبّق حالياً..!
والحال أنّه لا بُدّ من مراجعة عميقة وجادّة لنظام القبول الجامعيّ البالي لدينا، والوقوف مليّاً على رثاثة مدخلاته، وصدأ آلياته، وتكلّس سيّالته العصبيّة، وتلمُّس الخطوة الأولى في طريق إصلاحه وتغييره وإن بدت كرحلة الألف ميل..!

أيمن علي

قد يعجبك ايضا

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.