تلوث.. ع مد النظر !!

بانوراما طرطوس –عبد العزيز محسن:

لا يخفى على أحد الأخطار الكبيرة الناجمة عن التلوث بمختلف أنواعه وأشكاله ومنعكساته على الصحة وعلى البيئة بشكل عام… وفي محافظة طرطوس يبدو هذا التلوث اليوم في أعلى درجاته، الأمر الذي يدعونا مجدداً الى دق ناقوس الخطر والى حث الجهات الحكومية المعنية للتحرك سريعاً للمعالجة والتخفيف قدر الإمكان من تأثيراته السلبية الكبيرة والمتزايدة يوماً بعد يوم… ورغم أن طرح هذا الموضوع ليس جديداً على المستوى الرسمي والإعلامي إلا أن الجديد هو تنامي وازدياد حجم هذا التلوث وازدياد نداءات الاستغاثة من المواطنين من مختلف المناطق من الواقع المزعج… بالتوازي مع استمرار الوعود من الجهات المعنية بالعمل على معالجة هذا الملف والتي بقيت وعوداً “خلبية”.. ولم نلحظ تحركاً جدياً سواء على صعيد وضع الخطط او البرامج الزمنية أو على صعيد رصد الاعتمادات لإقامة مشاريع جديدة رافعة للتلوث، أو لتمويل المشاريع المتوقفة منذ سنوات طويلة.. فيما نرى بالمقابل تخصيص اعتمادات وموازنات بعشرات المليارات سنوياً لتمويل مشاريع في قطاعات أخرى ليست بمستوى أهمية معالجة الأخطار الناجمة عن تفاقم التلوث البيئي والصحي الناتج عنه..

وفي سرد مختصر لحالات التلوث الكثيرة، نشير إلى التلوث الأخطر الذي تسببه مجاري الصرف الصحي، والذي تنفرد بسلبياته محافظة طرطوس كونها محافظة ذات مساحات محدودة نسبياً وكثافة سكانية مرتفعة جداً، الأمر الذي يجعل من مسألة إبعاد مصبات انابيب الصرف الصحي عن التجمعات السكانية والمجاري المائية أمراً متعذراً.. بالتوازي مع شبه توقف لمشاريع إقامة محطات المعالجة وعدم رصد الاعتمادات اللازمة لها، وبالتالي فأن هذه المخلفات السامة ستذهب إما إلى البحر أو بحيرات السدود أو ستبقى “راكدة” في مجاري الأنهار والمسيلات المائية الموسمية الخالية من المياه صيفاً، وفي جميع الحالات ستسبب أضراراً بيئية وصحية كبيرة سواء في تلوث مياه البحيرات وشواطئ البحر أو في المناطق المحيطة بالتجمعات السكنية قرب المسيلات المائية المذكورة.. ويضاف إلى ذلك الكوارث الحقيقية التي تسببها الجور الفنية الخاصة بالمنازل في القرى غير المخدمة بالصرف الصحي والتي تشكل أكثر من ثلثي المناطق الريفية والأثر الذي تسببه على صحة المواطنين وعلى المياه الجوفية….

 أما الأمر الآخر فيتعلق بالتلوث الذي تسببه تراكم القمامة والنفايات الصلبة بشكل عام، فبرغم الجهود المبذولة لإغلاق المكبات العشوائية إلا أنه على ارض الواقع لا تزال بعض هذه المكبات موجودة وازداد عددها في مناطق أخرى، ولعل السبب يعود لعدم وجود إمكانات لدى الوحدات الإدارية لنقل نفاياتها الى المكبات الرئيسية أو الى معمل معالجة النفايات الصلبة في وادي الهدة.. والذي بدوره له حكاية أخرى في التلوث الذي يتسبب به على سكان القرى المحيطة به حيث تصل الروائح الكريهة المنبعثة منه الى كيلومترات عديدة وفي كافة الاتجاهات إضافة الى ما تسببه من امراض تنفسية وجلدية وانتشار للحشرات والقوارض على نطاق واسع…

ايضا من الحالات الأخرى نشير إلى التلوث الذي يتسبب به الغبار المنبعث من معمل الإسمنت ومصفاة بانياس والمحطة الحرارية وغيرها من المنشآت الصناعية والتي تشكل بمجملها حالات بمنتهى الخطورة تستدعي من الحكومة إيلائها الأهمية المطلوبة عبر رصد الاعتمادات اللازمة لتحديث وصيانة فلاتر التصفية ومعالجة الانبعاثات الغازية لتجنيب المواطنين في تلك المناطق المزيد من المعاناة والأمراض وعلى رأسها الأمراض السرطانية والربو… والتي وصلت إلى أرقام قياسية في محافظة طرطوس قياساً بعدد السكان.

أخيراً.. نعلم أن حل هذه المشاكل والقضايا يتطلب إمكانات مادية كبيرة جداً، ولكن هذا لا يعني أن ننتظر حتى تتوفر تلك الإمكانات للبدء في المعالجة بل من المفترض ومن المطلوب وضع خطط طارئة وعاجلة وإعداد برامج زمنية تتضمن تحديد الأولويات والبدء في التنفيذ على مراحل… فالأمر لم يعد يحتمل المزيد من التريث والتأجيل تحت أي ظرف أو حجج فجميعها غير مقبولة مقارنة بالواقع المأساوي وما يسببه من أضرار بيئية متعاظمة وخسائر متزايدة في الأرواح….

قد يعجبك ايضا

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.