الفنان التشكيلي أحمد خليل في حوار لموقع بانوراما طرطوس: الفن التشكيلي في تراجع كبير وأصبح “شغلة اللي مالو شغلة”>>>نحن بحاجة إلى ثقافة بصرية كبيرة جداً تسمح لنا برؤية الأشياء بطريقة أفضل وأعمق مما يراها الغير..

بانوراما طرطوس- حوار رهف عمار:

أحمد خليل من مواليد الدريكيش 1954 فنان تشكيلي سوري درس في كلية الفنون الجميلة في القاهرة وعمل في المجال الإعلامي في سورية وحاز على العشرات من الأوسمة وشهادات التقدير في الفنون التشكيلية وغيرها من الفنون والمجالات الثقافية تاركاً بصمة وهوية خاصة للفن لا يستهان بتأثيراتها في المجتمع، وهو الآن المراقب العام لصندوق التقاعد لاتحاد الفنانين التشكيليين في الجمهورية العربية السورية وله مرسم خاص في مدينة طرطوس وفي مدينة الدريكيش لتدريب هواة الفن التشكيلي من كافة الاعمار والمستويات، وكذلك يقيم دورات تمهيدية للطلبة للدخول في مجال هندسة العمارة… وغير ذلك من الأعمال الفنية والثقافية.

وفي حوار موقع بانوراما طرطوس مع الفنان احمد خليل نتعرف على جوانب من شخصيته المميزة وندخل معه في عالم الفن التشكيلي و جوانبه المختلفة..

الفن التشكيلي عبر التاريخ..

*بداية.. كيف يرى أحمد خليل الفن التشكيلي بشكل عام؟ و كيف بدأ ؟

**الفن التشكيلي عبر التاريخ ومنذ أن وجد الإنسان على هذا الكوكب كان له دور مهم، إذ أن الإنسان وجد في كل مكنونات الطبيعة.. أشياء تلفت انتباهه بصرياً ومن ثم تطور الإنسان حتى أصبح يسكن في الكهوف ، وعندما سكن في الكهف لم يكن هناك لغة بل عبارة عن إشارات… هذه الإشارات تحولت فيما بعد إلى رموز مثلا إذا أراد شخص أن يقول لأحدهم لنذهب إلى الصيد يرسم له جاموس ، ويرسم ما يريده مثل وردة، امرأة… ومع مرور الوقت تطورت الأمور واخترعوا اللغة من الرسم ، واختصرت الرموز هذه كلها وتحولت إلى رموز فيما بعد.

أضف إلى ذلك أن الفنان التشكيلي في الكهف طور الكهف وهنا نعود إلى الهندسة المعمارية إذ أن الإنسان بدل أن يدخل إلى الكهف زحفا قام بتوسيع المدخل بطريقته( القوس) ومن ثم دخل الكهف ليضع اشياءه كلها، فكان هناك رفوف طبيعية أحتاج هو لإضافة فأخذ ينحت ويحفر رفوف (طاقات) ومن ثم بدأ يضع في سقف الكهف أشياء معلقة حتى وصل الأمر بالإنسان أن يخترع أو يرسم كوخ يحميه من المطر ومن أشعة الشمس والوحوش.

من هنا انطلق الفن التشكيلي وبدأ الإنسان يؤسس للملابس والمقاعد وأدوات الصيد… وبدأت الرسوم على الصخر ومن ثم الرسم على الخشب.

الأصدق في كتابة التاريخ..

*إلى أي حد برأيكم ساهم الفن التشكيلي في نشر الثقافة في المجتمع، وكيف كانت الاستجابة أو الفعالية أو التأثير؟

** الفن التشكيلي هو الذي كتب التاريخ وهنا نعود لقصة الكهف ، لولا الرسومات لما عرفنا أن هناك إنسان عاش في هذا الكهف… المعارك عبر التاريخ – الصراعات ما بين الإنسان والحيوان وما بين الإنسان والإنسان جميعها اعطتنا جرعة من الثقافة وكتابة التاريخ.

الفن التشكيلي هو الأول والاصدق في كتابة التاريخ.. وهناك قصتين عن هذا الموضوع: الأولى عندما كان يعمل بيكاسو يعمل في مرسم قبو تحت الأرض في مدينة الجيرنكا و كان هناك معركة بين ألمانيا وإسبانيا فدمرت هذه المدينة بالكامل وقضي على كل شيء بها… بيكاسو كان مازال في القبو فنجى من هذه المعركة فدخل عليه العسكر و تفاجئوا باللوحة على الجدار، و عندما سأله الضابط أنت من رسم هذه اللوحة فقال له بيكاسو لا أنتم من رسمها.

والقصة الثانية: في الحرب العالمية طلب القيصر ان ترسم الساحة الحمراء فجمع كل الفنانين في روسيا من معماريين وتشكيليين ليرسموا الساحة الحمراء خوفا من أن يدمرها هتلر وتختفي… فالرسامين قاموا برسم هذا التاريخ ورسموه بدقة هائلة ولكن لم تأتي الحرب على هذه الساحة الحمراء الحمد لله.

إذا هذا هو الفن و الآن المجازر التي نراها على التلفزة المعارض الموزعة في أنحاء العالم هي الوحيدة التي تكتب التاريخ بعمق وصدق، وهنا لا أنتقد الشعر أو الكلمة لكن الرسم أعتبره الأول في كتابة التاريخ أينما كان.

ثقافة بصرية جديدة..

*كيف يرى الفنان التشكيلي الجمال؟

**هناك مفهوم خاطئ للجمال، الجمال ليس مقصود به الوجه والجسد…الطبيعة موزعة على أساس كل شيء يوجد في مكانه جميل وإذا تغير هذا المكان لم يعد هناك جمال..

إذا نحن بحاجة إلى ثقافة بصرية كبيرة جدا تسمح لنا برؤية الأشياء بطريقة أفضل وأعمق مما يراها الغير.. المجتمع ككل في عصور الأيقونات كان هناك نظرة دينية للفن التشكيلي.

*كيف تجسدت النظرة الدينية للفن التشكيلي وهل هناك تسييس لهذه النظرة؟

** كان هناك تجسيد الآلهة كمريم العذراء “سقف كنيسة القيامة في روما” و مثل أيقونات للقديسين مارشربل ، موسى، عيسى، داوود كل هؤلاء لهم تماثيل و أيقونات داخل الكنائس ملونة بماء الذهب أحيانا.

هنا وخاصة في سقف الكنيسة اعطى الفنان مايكل انجلو كل أشخاصه في سقف الكنيسة جمال جسديا أن كان في الوجه أو الجسد و هذا الجمال كان يدرس بدقة فائقة بحيث عندما ينظر الشخص إلى سقف الكنيسة من الأسفل يشعر بأن الأشخاص سيهبطون عليه من السماء.

أمضى الفنان التشكيلي أربع سنوات في رسم السقف إذا الجمال ليس حكرا على الأشخاص «بورتريه»

الجمال ينطبق على الشجرة والحجارة والكرسي والطريق والألوان المرتبة…الجمال لا علاقة له بعلم الجمال وليس حكرا على البشرية.

*استاذ أحمد ، كم يحتاج الفنان برأيك من صراعات ليبدع و كيف تؤثر به؟

** الفنان التشكيلي حساس جدا و يجسد العنف الذي يراه ولا يخترعه و 95 بالمئة من الفنانين عندما يرون مشهد يوجد به عنف ودمار يبتعد باكيا أو مغمى عليه.

الفن التشكيلي والحرب..

*إلى أي مدى تجد أن هناك فن تشكيلي في سورية بعد الحرب؟

**الفن التشكيلي السوري يمر بأزمة مشاهدة وأزمة اقتناء ” الفنان إذا لم يسوق لوحته فهو خاسر بالتأكيد” ودخل إلى ساحة الفن التشكيلي السوري الكثير من ذوي الإعاقة الفكرية والبصرية وبطريقة أخرى دخلوا هذا العالم وبدأوا يعملوا بطريقة عشوائية.. وأنا بالنسبة لي كثرة المعارض وعددها الكبير وعدم اختيار الكادر والإطار الذي سيراه المشاهد وعرضه بطريقة مناسبة أنا أعتبر الفن التشكيلي في تراجع كبير أصبح بالعامية “شغلة يلي مالو شغلة”، وخاصة الذي ساعد على هذا الشيء هو التجريد ، نحن نقول كل من لا يرسم الكلاسيك والواقع لا يمكن له أن يكون فناناً تجريدياً.

نحن بدأنا بالعكس و بالتخبيص حتى وصل التخبيص الى الفكر فلم يعد يهتم المشاهد.. الجميع يصل والكاميرات والتلفزيون والبرامج جميعها ذهبت خلف الكم وليس النوع…وأكاديميات اللوحة وتقنياتها شبه معدومة في كثرة المعارض بمعنى ماذا ينفع أن نقود السيارة وندهس عشرة في طريقنا.

ومن ناحية أخرى دخول الفن إلى العالم الضوئي الحواسيب والبرامج فآثرت سلبا على كل ما هو فن و عدم وجود حماية فكرية و ثقافية و عيشنا على العلاقات الخاصة جميعها عوامل أدخلت الفن التشكيلي في سورية إلى ضياع.

قوة الشخصية.. والقلب الطفولي

*كيف يجمع أحمد خليل بين قوة الشخصية والقلب الطفولي ؟

**ظروفي القاسية جدا والحوار لا يتسع لقصة حياتي لكن هناك فيلم اختاره غوغل وهو مؤثر جدا… أنا بالأساس تربيت في بيئة قاسية جدا لم أضع الحذاء في قدمي حتى وصلت الى الصف الثاني ويومياً انال أربع خيزرانات من والدتي وإضافة لذلك كنت أعمل لتأمين لقمة عيشي.. كانت حالة الطفولة قاسية جدا لدرجة عندما كنت أرى الأطفال يشترون الحلوى وما شابه كنت أنظر إليهم والذباب يملئ المكان كنت أعتبر نفسي مهان في هذه الحياة فأصبحت أشعر بالفراغ ونقاط الضعف.. كنت الضحية دوماً ولكن ذكائي كان يساعدني أن اجذب الأطفال لي فاخترع لهم التسالي والألعاب…و بعدها احتكيت بجيل خطير جدا هذا الجيل كان لحرب 67 وحرب73

عشت هذه الاجواء وعشت الانقلابات التي حدثت في سورية عشت كل تاريخ سورية النضالي والحربي رأيت أن الشعب السوري يستحق كل الاحترام ونحن لا ننتمي لجذور بالية نزهر كل يوم….هذا مزيج شخصيتي باختصار.

لوحات تتحدث عن نفسها..

*حدثنا استاذ أحمد عن حكايات من لوحاتك؟

** اللوحة تأتي في صميم روح الإحساس عند الفنان.. وفي البداية يرسم الفنان ليس للبيع ،هذه شحنة تتفرغ بالرسم… هذه اللوحة رسمتها عن مجازر ارتكبها الإرهاب في سورية وخاصة في تدمر وحزنت كثيرا على عالم الآثار الذي اعدمتنه عصابات داعش وهو يدافع عن الأرث الحضاري لتدمر..

وفي اللوحة  هنا يظهر لنا رمز البحر والاخضرار والزهر وهي عودة الحياة بالأماكن المدمرة والهلال الذي يعتبر رمز من رموز التاريخ في سوريا  ثم يأتينا الهر الحقير المنهزم  وهو يظهر بلئم ، الزهرة هي رمز لدمشق وقاسيون.

أما اللوحة الثانية فهي زوجتي :

هذه اللوحة هي بورتريه لزوجتي وكنا عاشقين ولهانين لا ننام في الليل ولا في النهار وكانت هي ما تزال في عمر الخامسة عشر فقط وأنا كنت في العشرين لم يكن هناك في هذا الوقت أي نوع من أنواع الكهرباء فكنا نرسم في النهار وفي الليل كنا في أوقات ضوء القمر نرسم، استغرق رسم زوجتي معي شهر ظناً مني أن قلبها سيعلق بي ويزحف لعندي  لكنها لم تكن تعرف ماذا يعني الحب والعاطفة ولكني روضتها والآن هي زوجتي منذ 45عاماً.

قد يعجبك ايضا

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.