«مداد» تناقـش تقديم سـياسات اجتماعية مغايرة أبو حلاوة: يجب تبنّي سياسات اجتماعيّة تعالج الخلل والتشوّه

طرح الباحث الدكتور كريم أبو حلاوة رؤية مغايرة للسياساتِ الاجتماعيّةِ في سورية، وذلك في بحث تم مناقشته في مركز دمشق للدراسات والأبحاث «مداد»
ويرى أنه في الأزمات تبرز الحاجة إلى امتلاك سياسات تدخليّة نشطة وفعالة على الصعيدين الاقتصادي والاجتماعي، لأنه تزداد ظواهر الفقر والبطالة والتهميش والأميّة ومختلف أشكال الحرمان البشريّ والتفكُّك الأُسريّ.
يضيف د.أبو حلاوة: إن هذا يضعفُ التماسكُ الاجتماعيُّ سواء على مستوى الإحساس بالهُوية والانتماء الوطنيّ، بفعل ظهور وتنامي هويات غير وطنية وتقليدية تتغذّى من التعصُّب والتطرف الذي يرافق الأزمات، أو عبر ظهور هويات إقصائية وقاتلة تسعى إلى الحلول محلّ الهوية الوطنية.
بينما يعود بعضها الآخر إلى تدهور وتصدّع الرأسمال الاجتماعيّ المبني على الثقة والتعاون والتشبيك، ويزداد الرأسمال الاجتماعيّ الخاصّ بكلّ مكوِّنٍ اجتماعيٍّ على حساب تآكل الرأسمال الاجتماعي التجسيري الذي يقوّي التماسك الاجتماعي. وعلى العموم، يطفو على السطح مقدار كبير من الظواهر السلبية تترافق مع تراجع الشعور بالأمان وظهور ممارسات وظواهر خطيرة، كالخطف والقتل والابتزاز والخوف والكراهية، وتتزايد مظاهر السخط والاحتجاج وعدم الرضى، ويقع الحيف والظلم على الفئات الاجتماعيّة الأكثر هشاشة، كالنازحين والأطفال والنساء والمسنّين.
وسَرْعان ما تتبلور مستويات جديدة من الفوارق الطبقية الحادة، الأمر الذي يغير في عناصر البنية الاجتماعية ويؤثر في العلاقات الطبقية والمشاركة الاجتماعية، مثلما يضعف الانسجام الاجتماعيّ، وتتزايد الحاجة إلى إعادة بناء مكونات التماسك الاجتماعيّ من منظور الأمن الاجتماعيّ وكيفية استيعاب الحاجات وتلبية المطالب الاجتماعية بشكل متوازن.
وإن لم يحدث ذلك ستتحول هذه التهديدات الاجتماعية بالتأكيد إلى تهديدات أمنية على المستوى الوطنيّ، ويمكن في هذه الحالة توظيفها أو تعميقها من خلال عوامل التهديد والتدخل الخارجي. وهنا تبرز أهمية التنمية التي تعزز التماسك الدّاخليّ، وتُعنى بالمشاركة في الحياة العامة، بوصفها السبيل الأنجع للوصول إلى الاستقرار الاجتماعيّ.
الاستقرار والتماسك
يؤشر مفهوم الأمن المجتمعيّ إلى درجة الاستقرار والتماسك التي تسم العلاقات الاجتماعية، والتي تساعد على مواجهة المخاطر الاجتماعيّة الناجمة عن الفقر والحرمان والخوف والعنف والتعصب والإرهاب، وهو بهذا المعنى جزء من مفهوم الأمن الإنسانيّ الأشمل بدلالته على الاطمئنان الذي ينجم عن الثقة والإحساس بالأمان، بدءاً بالأمن الشخصيّ وضمان حرية الفرد واستقلاليته وحقوقه بالحصول على التعليم الجيد والرعاية الصحية الملائمة وتوافر سكن لائق، وصولاً إلى كفالة حريات التعبير والحماية من العنف والأذى وتأمين العمل الذي يعزز شعور الفرد بالانتماء، ويعلي من قدرته على الإسهام في نهوض المجتمع. وبحكم إشاعته وشموليته، ينطوي الأمن الإنساني على الأمن الاقتصاديّ والغذائيّ والبيئيّ والصحيّ والشخصيّ والمجتمعيّ .
تفترض هذه المقاربة أنَّ الخلل الذي يصيب مكونات الأمن الاجتماعي، لا ينفصل عن بقية العناصر والفواعل التي تتسبب فيها الأزمات والحروب، إذ غالباً ما تتحول عناصر الاضطراب السياسية ومظاهر الصِّراع إلى مشكلات اجتماعيّة عميقة. فسرعان ما يتم توظيف مظاهر الحرمان والإحباط والعنف والانقسام، بوصفها نقاط ضعف داخل البنية الاجتماعيّة لمصلحة جهات وأجندات وفواعل خارجية تعمل ضدَّ مصلحة الدولة والمجتمع. ولا يقل مقلوب هذه المعادلة صحة عنها، حيث تبين تجارب عديدة لبلدان شهدت خضّاتٍ وحروباً، أنَّ تراكم المشكلات الاجتماعية، وإهمال المتطلبات المتصلة بتأمين أو تحسين سبل العيش، سرعان ما يتحوّلان إلى فعل سياسيّ من خلال رفع سقف التوقعات المعتمد على مستوى استجابة أغلبية الناس لهذه المطالب كما حدث في العديد من الدول والبلدان.
السياسة الاجتماعية
تشير السياسة الاجتماعية في أساسها إلى التوجُّهات والمبادئ والتشريعات والأنشطة التي تؤثر في الظروف المعيشية التي تساعد على تأمين احتياجات السكان ورفاهيتهم واستقرارهم.
ويعرف د. حلاوة السياسة الاجتماعية بأنها «القواعد والاتجاهات العامة التي تنتج كمحصلة للتفكير المنظم وتفاعل القوى الاجتماعية لتحقيق أهداف استراتيجية بعيدة المدى، وإطار تطبيقي متعدد المبادئ ومتعلق بتحليل استجابات المجتمع للحاجات الاجتماعية، وتهدف إلى تحقيق قدر متزايد من العدالة الاجتماعية عن طريق توفير الخدمات المتنوعة والمتكاملة لأفراد المجتمع ككل، مع التركيز على الفئات الأكثر احتياجاً».
أما في أزمنة الأزمات والحروب، فلا بد من تبنّي سياسات اجتماعيّة مبنية على تدخلات مدروسة لمعالجة أشكال الخلل والتشوّه والتكيّف السلبيّ الناجمة عن الأزمات والحرب والحصار، نأخذ بالحسبان المخاطر الناجمة عن تراكم وتفاقم الأزمات الوطنية التي لم تعد تنفع معها المعالجات الموضعية الآنية، ولا رسائل التطمين اللفظية، ولا حتى نزعة التجاهل أو التأجيل، بدعوى أن هناك أولويات وطنية كبرى، فالتركيب المعقّد للأزمات يجعلها متكاملة وتراكمية وخطرة، ويمكن لها في حال تركها لديناميات عملها الذاتية أو تعرُّضها للتدخلات الخارجية أن تتراكم وتتفاقم ما لم نمتلك تدخلات فعالة وفي التوقيت المناسب. ولعل الأخطر من كل ما سبق إمكانية تبلور مشاكل إجتماعية.
وهنا تبرز الحاجة إلى امتلاك سياسات تدخليّة نشطة وفعالة على الصعيدين الاقتصادي والاجتماعي.
و حسب ما حددها د. أبوحلاوة تتضمن السياسات الاجتماعية البديلة مجموعة من المحاور يمكن ترتيبها كالآتي:
– الحماية الاجتماعية: للفئات الاجتماعية الهشة كالأطفال المشردين والنساء المعيلات لأسرهن، والمسنّين، وجرحى الحرب والمعوقين، لأنهم الأكثر ضعفاً وحاجة للحماية.
– النزوح والهجرة: عودة المهجرين وتأمين استقرارهم في مناطقهم، وتوفير مقومات عودة النازحين داخلياً بعد استكمال تحرير مناطقهم من الإرهاب.
* تحسين سبل العيش: الشرائح الاجتماعية الأكثر فقراً، إعادة تشكيل، هندسة البنية الاجتماعية الطبيعية، مشاريع تطوير المناطق الأقل نمواً، تصحيح الاختلالات في الرواتب والأجور، ومكافحة الفقر متعدد الأبعاد.
– خدمات اجتماعية على مستوى الكم والشمول والنوعية: في مجالات الصحة، التعليم، تلبية الاحتياجات الأساسية لتعزيز مقومات صمود وتماسك المجتمع.
– سياسات سكانية تُعنى بالاختلالات الديمغرافية والتوزع المجالي والمكاني للسكان، وفقاً لمتطلبات التوازن بين الموارد الطبيعية والموارد البشرية ولمبادئ التخطيط الإقليمي، لتصحيح وردم الفجوات السابقة ومعالجة الاختلالات الجديدة الملازمة للأزمة.
– مجتمع مدني ومنظمات غير حكومية: يكون هدفهما الإسهام في بناء القدرات والمشاركة في التنمية، ذلك بهدف نقل نشاط هذه المنظمات الأهلية من فلسفتها وطابعها الخيريّ على أهميته، إلى طابعها التنموي من موقع الشراكة في التنمية.
-الرأسمال الاجتماعيّ: المبني على التعاون والثقة وما أصابه من تصدعات وأضرار وضعف بسبب الحرب، وانعكاس ذلك على التماسك الاجتماعي والهوية الوطنية.
هذه المحاور الأساسية ستكون محط اهتمام السياسات الاجتماعية البديلة/المطلوبة، والتي ستتحول إلى خطط وبرامج مدروسة، من منطلق تعزيز المسؤولية الاجتماعية للفاعلين، أفراداً وشركات ودولة، بغرض معالجة تأثيرات الأزمة والحرب وتصحيح الاختلالات العميقة التي نجمت عنها ورافقتها، ومن الطبيعي أن تتكامل هذه السياسات المجتمعية وتتقاطع بأهدافها وأدواتها ورؤيتها مع السياسات العامة للدولة .

بانوراما طرطوس – تشرين

قد يعجبك ايضا

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.