حلول مؤجّلة للمشكلة الأوسع طيفاً في المدن السورية…

لا تقف مشكلة وجود الفجوة الهائلة بين العرض والطلب على المساكن والسكن، عند حدود ذات طابع تنظيمي ومادي، بل تتعدى ذلك إلى بعد استثماري بنيوي يتعلق بحيثيات و إملاءات الظرف الراهن.
فقد أدت سنوات الحرب التسع إلى فقدان الكثير من الأسر لمساكنها التي دمرتها الحرب، فضلاً عن زيادة الطلب المدفوعة بالنمو السكاني لمجتمع يوصف بأنه من أكثر المجتمعات فتوة، حيث الشريحة الأكثر كثافة والأعرض على المستوى الديمغرافي هي من الشباب، وهكذا ارتفع عدد طالبي المنتج السكني، وقل عارضوه، في وقت يستمر فيه تقاذف الكرة بين جهات التطوير والتمويل والمستثمرين وتلك المالكة للعقار، وفي المحصلة.. لا رحى تنتج طحيناً..!
يرى متخصصون أن السعي نحو تكوين أسر جديدة، إثر الزواج، هو المحرك الرئيس للطلب على المساكن، ومع تغير نمط حياة السوريين في العقود الأخيرة، يحرص الأثرياء وميسورو الحال على حيازة أكثر من مسكن، وفي غير منطقة، فضلاً عن الشراء بقصد الادخار طويل الأمد؛ فالعقار مضمون العائد والمردودية؛ لأنه من أكثر الأوعية الاستثمارية استقراراً وأقلها تأثراً بتذبذب الأسعار، فالاستثمار العقاري كان وما زال محكوماً بالقاعدة الذهبية (العقار يمرض ولكن لا يموت).
وفي موازاة الطلب المتزايد على المسكن، وعدم تكافؤ العرض معه، تكفل السكن العشوائي بتلبية هذا الطلب، تحت تأثير ارتفاع أسعار المساكن، وقلة مصادر التمويل، وغياب المشاريع الإسكانية الكبيرة والمؤثرة.. وحتى عام 2010 كان الرقم الأكثر تداولاً للطلب السنوي على المساكن بحدود 50-60 ألف مسكن جديد، بيد أن أوساطاً عقارية وتمويلية تقدر نمو هذا الطلب حالياً إلى 100 ألف مسكن، علماً بأن هناك تقديرات تبالغ في رفع هذا الرقم، الذي من الصعب الوقوف على تحديد دقيق له، نظراً للهجرة الداخلية والخارجية، وتزايد العشوائيات دخل المدن وفي الضواحي..
تتشارك عدّة جهات في التصدي لمشكلة نقص المنتجات السكنية بأنواعها كلها، والبداية من هيئة التطوير والاستثمار العقاري، التي لديها جانب تهيئة البيئة التنظيمية والاستثمارية للمشروع، ومن ثم هيئة الإشراف على التمويل العقاري، حيث ترشد المستفيدين إلى مصادر التمويل العامة والخاصة، وثالث هذه الأطراف الجهة المالكة للعقار، وهي غالباً إحدى الوزارات، ورابعاً هناك المستثمر (المطور العقاري)، الذي قد يكون شخصاً طبيعياً أو اعتبارياً، وخامساً المستهدف بهذه المنتجات، التي قد تكون سكنية أو خدمية أو ترفيهية، وأخيراً هناك البيئة التشريعية والقانونية لمثل هذه المشاريع.
ترى مصادر هيئة التطوير العقاري، أن التطوير العقاري يسهم، على نحو فاعل، في تحفيز الاقتصاد الوطني، من خلال عمليات التشييد الكبيرة، وصناعة مواد البناء، إضافة لقدرة هذا القطاع على تنشيط وتحفيز العمل لعديد القطاعات الاقتصادية والخدمية الأخرى، فالمشروع الواحد يحرك نحو 150 مهنة، مبينةً أن هناك 61 شركة تطوير مرخصة أصولاً، ست منها عامة، فيما البقية خاصة محلية ومشتركة مع مستثمرين خارجيين، و26 مشروعاً في المناطق والمحافظات المختلفة، 12 منها ذات أولوية خاصة، إضافة لمشاريع أخرى قيد الدراسة، متوقعاً أن تؤمن هذه المشاريع مساكن لنحو مليون نسمة.
وتمثل مشكلة نقص التمويل، إلى جانب عدم توافر العقارات اللازمة لإحداث المشاريع، أبرز معضلتين تحدان من انطلاقة السوق العقارية، وتكاد المصارف العامة، باستثناء العقاري نوعاً ما، تسجل غياباً تمويلياً كاملاً، كما لم تسهم المصارف الخاصة في تقديم أي تمويل ذي شأن، وهذا يقودنا إلى تصريح وزير المالية الدكتور مأمون حمدان قبل أيام، حيث أعلن عن ودائع لدى المصارف العامة تصل إلى 2400 مليار ليرة، وأن جزءاً مهماً منها جاهز للإقراض، إلى جانب ودائع المصارف الخاصة.. إذن ما الذي يمنع أن تمضي هذه المصارف في تأدية دورها التمويلي..؟! هي وحدها من يملك الإجابة.
وكشف نائب حاكم المركزي محمد حمرة، في وقت سابق، عن أن حجم موجودات المصارف بلغ 7511 مليار ليرة، حيث زادت قياساً مع العام الفائت بـ 13 بالمئة؛ ما يساعدها على الإقراض، ولفت إلى أن المصارف تعاني فائضاً في السيولة، وليس نقصاً، ما يهيئ فرصاً جيدة من أجل إعادة الإعمار.
وتشكل هيئة الإشراف على التمويل العقاري مظلة لشركات التمويل، حيث يتركز دورها في إرشاد المستثمرين إلى الجهات الممولة، وتحفيز المدخرات الصغيرة والمتوسطة لدخول القطاع، وتنظيم مزاولة مهنة التقييم العقاري في سوق يعمل فيها نحو ألف مقيم، ودعم تأسيس شركات تمويل أو إعادة تمويل، مساهمة عامة أو مغلقة، ومن ثم إدراجها في سوق دمشق للأوراق المالية؛ ما يمنح البورصة تنوعاً مهماً في قطاعاتها، وهذا يحتاج لتضافر جهود الهيئة مع جهات مثل هيئة الأوراق والأسواق المالية وهيئة الإشراف على التأمين ومصرف سورية المركزي وغيرها..
وتعتمد جهات التمويل بشكل كبير على المقيمين العقاريين، سواء لتقييم ضمانات مصرفية جديدة أم للتوسع في أخرى قائمة، حيث يجب أن تشكل 150 بالمئة من حجم القرض، فيما يشكل 40 بالمئة من قيمة العقار على الهيكل (على العظم)، و20 بالمئة من قيمته جاهزاً (مكسي).
ينظر الكثيرون إلى أن مشكلة السكن والإسكان لن تُحلّ، إلا بعد أن يجري تحضير مساحات كبيرة من الأراضي المعدة للبناء، و إيجاد مصادر التمويل الكافي، ويفضل إشراع أبواب القطاع أمام شركات ومستثمرين خارجيين.
وقد كان لافتاً خلال فترة معرض دمشق الدولي، أن أنظار الرساميل الخليجية تتطلع إلى قطاع العقارات السوري، وكذلك الأصدقاء الصينيين، فالقطاع يمتاز هنا في سورية بدورات رأس المال السريعة والربحية المضمونة وبنسبة كبيرة من إجمالي رأس المال العامل.

بانوراما طرطوس – الثورة

قد يعجبك ايضا

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.